الهوية هي مجمل السمات التي تميز شيئًا عن غيره أو شخصًا عن غيره أو مجموعة عن غيرها ، كل منها يحمل عدة عناصر في هويته. عناصر الهوية هي شيء متحرك ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة وبعضها الآخر في مرحلة أخرى. ومن هنا يأتي نواة موضوعنا " الهوية العربية " وعدة أسئلة نتناولها وهي:
١- ما علاقة اللغة بالهوية؟
٢- ما هي الهوية العربية؟
٣- ما مكوناتها؟
٤- كيف ندعمها؟

أولًا: جدل العلاقة بين اللغة والهوية
اللغة هي عنوان الوجود والهوية باعتبارها المستودع الأمين الذي تختزن به مقومات الإنتماء، وذاكرة المستقبل ومن هنا فإن الهوية الثقافية لا تكتمل ولا تبرز خصوصيتها الحضارية إلا إذا تجسدت مرجعيتها في كيان شخص تتطابق فيه ثلاثة عناصر وهم: الوطن، الأمة، والدولة
فإن اللغة هوية، وليست "الهوية" لغةً، بمعنى أن اللغة ليست المقوم الوحيد للهوية، وإن كانت من أهم
هذه المقومات، وأشدها خصبًا وعمقًا وتركيبًا.
إن العلاقة بين اللغة والهوية هي علاقة الخاص بالعام، فالهوية أعم من اللغة؛ لأن الهوية لها تجليات عديدة غير "اللغة" إذ إنها (الهوية) ببساطة متناهية ليست سوى تلك القواسم المشتركة أو القدر المتفق عليه بين مجموعة من الناس، ذلك الذي يميزهم ويوحدهم، وليست اللغة وحدها التي تقوم بهذه المهمة، وهذا يعيدنا إلى المقومات الأخرى للهوية.
فاللغة هي أساس الأمة وهي التي تربط الحضارات بعضها ببعض، وهي التي تخلد الأمم، فكأنها مفتاح الغد الذي يختزل الماضي وإرثه؛ فالثقافات تتحاور وتتداخل وتتلاقح وكذلك اللغات، بل هناك أيضًا لغة تهيمن على الأخرى؛ يقول (ابن خلدون): "إن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لَمَا تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقادًا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبّهت به، وذلك الاقتداء، أو لما تراه، والله أعلم، من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس، وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط أيضا بذلك عن الغلب"
ومن هنا تكمن الهيمنة؛ هيمنة اللغة، فالقوة تكمن باللغة في الأساس، فالمغلوب يتبع الغالب ويقلده، ويبقى مبهورًا به، متأثرًا به من الناحية اللغوية والثقافية والسلوكية وحتى في الزي كما يقول ابن خلدون: "فاللغة المهيمنة هي لغة الدولة المهيمنة، فحينما كانت الدولة الإسلامية قوية ومسيطرة شاع اللسان العربي وتفوق على غيره من الألسنة، لكن بعد ذلك تزعزع اللسان العربي وخاصة مع دخول العجم بكثرة يقول ابن خلدون : ولما تملّك العجم وصار لهم الملك والاستيلاء على جميع الممالك الإسلامية فَسُد اللسان العربي لذلك، لولا ما حفظه من عناية المسلمين بالكتاب والسنة.
ثانيًا: ما هي الهوية العربية؟
قبل أن نقوم بتحديد وتحليل مكونات الهوية العربية ، تمهيدا لدعمها فى نفوس الأجيال الجديدة ، لابد من بلورة مفهومين متقاربين قد يتداخلان أو يتطابقان ، وهما مفهوما الهوية والجنسية .
ما الذى يجعلك تقول : أنا كويتى أو مصرى أو مغربي ، لمن يسألك عن جنسيتك ؟ إن معنى الجنسية ببساطة هو الانتماء إلى البلد الذى يولد ويعيش فيه الإنسان ، يتحدث لغته ويتبع قيمة وتقاليده . إنه البلد الذى تحمل جواز سفره وتتحدث باسمه فى العالم إذا كنت محملا بمهمة رسمية ، وهو البلد الذى مهما تجولت أو تغربت فى أنحاء العالم ترجع فيه أخيرا إلى بيتك وتلتقى بأهلك على أرضه وتدفن عند الموت فى ترابه.
وعلى الرغم من أن الجنسية تعد واجهة ظاهرة للهوية إلا أن هذه الأخيرة تظل أوسع وأكثر عمقا . لأنها تمتد فى تاريخ المجتمع الذى ينتمى إليه الإنسان وتندمج مع كل ما مر به من أحداث . ولاشك أن هوية المجتمع هي التي تنعكس بصورة مصغرة في أعماق كل فرد فيه حتى ولو عاش معظم حياته في بلد أجنبي وحصل على جنسيته .
-فمثلا الإنسان العربى الذى يهاجر من إحدى البلاد العربية إلى أوربا أو الولايات المتحدة الأمريكية ثم يحصل هناك على جنسية أجنبية ، لا ينخلع بمجرد حصوله على هذه الجنسية من هويته التي تظل مصاحبة له ، بل ومتماهية معه في كل الظروف والأحوال.
ثالثًا: مكونات الهوية العربية
والواقع أن الهوية العربية تتكون من مجموعة مترابطة من المكونات التي قد تزيد نسبة بعضها أو تنقص ، لكنها تتضافر فيما بينها لتطبع الإنسان الذى تتوافر فيه بخصائص واضحة وسمات محددة . وتتمثل هذه المكونات في خمس ركائز أساسية هي:
1) الجنس العربي: لا يمكن تصور وجود إنسان عربي إلا إذا كان قد ولد من أبوين عربيين أو من إحداهما على الأقل . ومن الواضح أن هذا العنصر البيولوجي هو الذى يعطى للجنس العربي استمراره منذ آلاف السنين وحتى اليوم . ونحن نعلم أن هناك قبائل عربية ظلت محافظة على نقاءها العرقي عبر مئات السنين . ومن اهتمام العرب بهذا النقاء خصص بعض العلماء العرب القدامى مؤلفات خاصة بالأنساب . وما تزال كثير من العائلات العربية تحتفظ بما يطلق عليه "شجرة العائلة" التي تتدرج فيها الأجيال وتتحدد أسماء الأجداد والآباء بدءًا من جذر محدد ومرورًا بالأغصان وانتهاء بالأوراق.
2) اللغة العربية: تمثل اللغة العربية الركيزة الثانية يعد المولد من مكونات الهوية العربية. فاللغة هي أولا الأداة الأساسية التي يتفاهم بها الإنسان مع أبناء وطنه وأمته ، كما أنها الوسيلة المضمونة للإطلاع المباشر على تراث الأمة الثقافي والحضارى . وهى بالنسبة للإنسان العربى المسلم : اللغة التي نزل بها القرآن الكريم وسجلت سنة الرسول كما أنها اللغة التي تتم بألفاظها بعض الشعائر الواجبة على المسلم ومنها الصلاة التي تقام خمس مرات في اليوم والليلة.
3) التاريخ الوطني: يعد التاريخ الوطنى من أهم مكونات الهوية العربية التاريخ الوطني بما يتضمنه من طبقات متراكمة من الأحداث التي شارك فيها واصطلى أحيانا بلهيبها الآباء والأجداد. وبما أن نظام الدول القومية هو الذى استقر أخيرًا في حياة الأمة العربية فإن تاريخها الطويل يتصل اتصالا مباشرا بالتاريخ الوطني لكل دولة على حدة . وهذا يعنى أن التاريخ الإسلامي يصبح – بكل ما فيه من أمجاد وانكسارات أحيانا – هو الذى يمثل جذر الشجرة التي تتفرغ منها أغصان التاريخ الوطني للشعوب العربية في الوقت الحاضر.
4) الثقافة المحلية: أقصد بالثقافة المحلية تلك الصور الذهنية التي تنعكس غالبًا على سلوك الأفراد في المجتمعات العربية الحديثة . والواقع أنه مهما قيل عن الغزو الثقافي الوارد من الغرب لهذه المجتمعات وتأثر كثير من جيل الشباب بها فإنه يبقى لكل مجتمع عربي ثقافته الخاصة التي تكونت لديه من العادات والتقاليد والتراث الشعبي والمعارف التجريبية التي استقرت في وجدان المجتمع وأصبحت الأجيال القديمة تسلمها بكل دقة وأمانة للأجيال الحديثة .
5) الدين: ليس معنى وضع الدين في آخر المكونات الرئيسية للهوية العربية أنه أقل أهمية من المكونات الأربع السابقة، بل إنه قد يصبح أحيانا أكثر هذه المكونات أهمية. لكن العرب ليسوا جميعا مسلمين فبعضهم يدينون بالمسيحية وأقل من هؤلاء كثيرا يدينون باليهودية . ومع أن العرب كانوا هم العنصر الرئيسي في حمل راية الحضارة الإسلامية فإن هناك شعوبًا أخرى قد شاركتهم في حمل هذه الراية ومنها : الفرس والهنود والأتراك وبعض الأوربيين من إسبانيا فى عهد الأندلس الزاهر.
رابعًا: كيف ندعمها؟
تناولنا فيما سبق مكونات الهوية العربية وتبيّن أنها تقوم على خمسة مرتكزات هي : الجنس العربي ، اللغة العربية ، التاريخ الوطني ، الثقافة المحلية والدين .. وكنا قد انتهينا إلى أن تضافر هذه المكونات هو الذى يعطى للإنسان العربي شخصيته الخاصة به ، وهويته التي يتميز بها في العالم المعاصر ، كما خلصنا إلى أن الهوية العربية تتعرض في الوقت الراهن إلى بعض العواصف والمؤثرات الأجنبية التي قد تضعفها دون أن تقضى عليها تماما ، لذلك يصبح من الضروري على كل العرب أن ينهضوا لصيانة هذه الهوية ، والعمل على تماسكها بل وغرسها في نفوس الأجيال الجديدة التي هي أحوج ما تكون إلى ذلك .
وسوف نحاول في هذا الجزء أن نركز على أهم العوامل التي يمكنها أن تدعم الهوية العربية في العناصر الخمسة الآتية :
1) التربية الأسرية الرشيدة
من منا لا يذكر مجموعة الأوامر والنواهي التي تربى عليها في أسرته الصغيرة ، والجو الأسرى الذى كان يبسط جناحيه عليه لكى يحميه ، وينميه ، ويجعل منه إنسانا ناجحا في الحياة . إن سلطة الأب التي قد تبدو صارمة ، إلى جانب حنان الأم الذى قد يبدو متساهلا هما العنصران اللذان يرسخان في نفس الطفل منذ الصغر شعوري الخوف والرجاء .. الخوف من العقاب والرجاء في المكافأة. ومن خلال الجمع المتوازن بينهما يمكن للإنسان أن يتبين بعد ذلك طريقي الصواب والخطأ ، وأن يميز بين ما يصلح وما يفسد أو يضر
2) التعليم الذى يجمع بين الأصالة والمعاصرة
اندفع أولياء الأمور حديثا إلى إرسال أبنائهم إلى المدارس والجامعات الأجنبية التي تقدم تعليما معاصرا ومتطورا ، وقد تكون نواياهم حسنة ، حيث يريدون لأبنائهم ضمان مستقبل باهر ، يدر عليهم دخلا ماديا كبيرا . ولعلهم معذورون في ذلك ، لأن التعليم الحكومي في معظم البلاد العربية قد تخلف كثيرا عن ركب المعاصرة ، ومازال يجتر معلومات ومعارف قديمة ، لا يصلح الكثير منها للعصر الحاضر بإنجازاته العلمية الهائلة ، ومستحدثاته التكنولوجية غير المسبوقة .
3) الإعلام المتطور الذى يحافظ على الثوابت
لقد أصبح الإعلام المعاصر مع التعليم من أهم وسائل التثقيف في المجتمعات الحديثة . وفى كثير من الحالات يتداخل الإعلام مع التعليم ، فهو الذى يزود أفراد المجتمع بالمعلومة الصحيحة ، ويستعرض أمامهم آخر المستجدات ، كما يحلل لهم الأحداث ، ويقدم لهم مختلف الشخصيات ذات التأثير الكبير في حياتهم .
4) القوانين المحلية التي تتماشى مع الدين والأخلاق
من المقرر أن قوانين كل بلد في العالم لابد أن تنبع من قيمه وتقاليده ، وترتبط مباشرة بظروفه وأحواله . وقد مرّ زمان طويل على الأمة العربية وهى تتبع هذا القانون ، حتى تعرضت في القرن التاسع عشر الميلادي إلى هجمة الاستعمار الغربي على معظم بلادها ، فعمل على استنزاف مواردها ، وتبديد طاقتها ، وتغيير قوانينها وهو الأمر الذى جعل هذه القوانين لا تعبر عن الشعوب التي تطبق عليها . وحتى عندما حصلت البلاد العربية على استقلالها فإنها لم تنجح تماما في تخليص القوانين المعمول بها من آثار القوانين الأجنبية التي أدخلها المستعمر أثناء تواجده في تلك البلاد .
5) إبراز الجوانب المضيئة في تاريخ العرب
أذكر وأنا في مقتبل الشباب أننى قرأت كتاب المستشرق الفرنسي جوستاف لبون بعنوان " حضارة العرب " وهو كتاب ضخم ، ترجمه المرحوم عادل زعيتر والكتاب من القطع الكبير، المزود بالخرائط ، والمزين بالكثير من الصور. وهو يحتوى على معظم جوانب الحضارة العربية تقريبا، مع التركيز بصفة خاصة على آثارها المعمارية التي مازالت بعض بقاياها قائمة حتى اليوم ، كذلك على التحف والمصنوعات التي تؤكد مدى ما وصل إليه الصانع العربي ، والفنان العربي من تقدم وإتقان.
وقد هدفت عناصر البحث إلى ١- التنبيه لأهمية الهوية العربية.
2- إيقاظ هذا المصطلح في النفوس.
3- توضيح لأهمية الهوية العربية في حياتنا وإظهار قدرها المسلوب.
الخاتمة
تلك هي أهم العوامل التي يمكنها أن تساعد في تدعيم الهوية العربية، وكل عامل منها له تأثيره المحدود، لكنها في تضافرها مع بعضها تصبح قوة دافعة لإحداث النتائج المرجوة ، ولذلك فإنها بحاجة إلى أن تصبح جزءا من استراتيجية متكاملة، وذات بُعد مستقبلي، وأن توزع تلك العوامل على أجهزة ووزارات متخصصة لكى تقوم بتنفيذها على النحو المطلوب، والمهم أن يعمل الجميع بإيقاع واحد متناغم، ودون أن ينفرد جهاز أو وزارة بتحقيق كل هذه الأهداف بمفردها، كما يحدث حاليا في كثير من البلاد العربية، وهذا ما يجعلها تظل تنادي بالشعارات ، دون أن يتحقق مضمونها الفعلي على أرض الواقع.
المصادر
1) فيصل الحفيان: اللغة والهوية، إشكاليات المفاهيم وجدلية العلاقات
2) ابن خلدون: المقدمة ، الدار التونسية، 1984، ص258-259
3) ابن خلدون: المقدمة، 1/457
٤) المؤتمر العلمي الرابع لكلية الآداب والفنون جامعة فيلادلفيا: العولمة والهوية، منشورات جامعة فيلادلفيا، ط1، 1999، بحث حسن حنفي: الثقافة العربية بين العولمة والخصوصية، ص37-38
بحث بقلم: أستاذ طمان العربي